قطع مياه الشرب عن حي البرانص.. ومواطنون يتهمون أمانديس بالانتقام منهم








  >>  حديث الدار    
الأحزاب السياسية والميوعة المغربية

محمد العسري
 بعض قياديي الأحزاب المغربية خلال انتخابات 2015


إذا حاولنا عقد مقارنة بين الواقع الحزبي المغربي خلال الفترة الاستعمارية، والوضع الحالي، لا شك أننا سنصاب بالذهول، وسيتملكنا العجب، وواضح أن مصدر الذهول والعجب نابع من كون عدد الأحزاب السياسية في ذلك الحين لم يكن يتجاوز الأربعة، وكلها كانت تشتغل من أجل تحقيق هدف واحد، هو تحرير الوطن من قبضة الاحتلال الأجنبي، وهو هدف أجمع المغاربة المنخرطون في تلك الأحزاب وغيرهم على وجوب العمل على تحقيقه بأي ثمن.

وهكذا نرى أن المشهد الحزبي في بلدنا كان واقعيا، إذ لم يكن المغاربة يتسابقون لتأسيس الأحزاب، نظرا لكون الغاية من وجودها كانت محصورة في تحمل أعباء وتبعات تحرير الوطن دون سواها. فلماذا إذاً تناسلت الأحزاب بالمغرب بعد استقلال البلد؟

حين استقلال المغرب سنة 1956، كان البلد يحتضن أربعة أحزاب وطنية فقط (حزب الاستقلال وهو الأقوى والأكثر استقطابا للمنخرطين وفيهم عدد من الميسورين، وحزب الشورى والاستقلال وهو الأقل قوة وعددا، والحزب الشيوعي المغربي وأسسه الفرنسيون وغيّر اسمه بعد الاستقلال إلى حزب التحرر والاشتراكية ثم التقدم والاشتراكية حاليا، وظل حجمه متواضعا إلى أن نفخ فيه المخزن من روحه، وحزب الوحدة والاستقلال وكان محدود الإشعاع والأعضاء، ثم حزب خامس، وكان امتداده يقتصر على المنطقة التي يحتلها الاستعمار الإسباني ويسمى "حزب الإصلاح الوطني").

نعود لتحديد دواعي تناسل الأحزاب السياسية بالمغرب، والتي صار عددها يتجاوز 40 حزبا، معظمها عبارة عن تنظيمات صورية بدون فعالية أو تأثير أو تواجد حقيقي بالساحة السياسية والنضالية الوطنية. 

فإذا كانت الأحزاب الوطنية قبل الاستقلال تطلع بمهام التعبئة الشعبية للمواطنين والمواطنات، هدفها البعيد والقريب يرمي إلى حشد الطاقات بغاية طرد الاستعمار، فإن الأحزاب المغربية بعد الاستقلال بكل أطيافها وتلويناتها وتموقعاتها، أمست تتهافت على المناصب والمواقع والمكاسب والمنافع، ولم يعد هناك فرق كبير ما بين تلك التي تعتبر نفسها وطنية مناضلة تقدمية يسارية، أو تلك التي تدعي الليبرالية، أو التي ترى أنها تنهل من المرجعية الدينية، فكلها أضحت تهرول نحو غاية واحدة، تحركها أهداف انتهازية وصولية براغماتية صرفة خالصة، لا علاقة لها بالمطلق بمصالح البلاد والعباد، وقد تجلى ذلك بوضوح تام من خلال التجارب الحكومية التي انطلقت منذ سنة 1998، والتي اختلط فيها الواقع السياسي ولم يعد هناك تميز بين الأحزاب التي كانت تعتبر نفسها تقدمية ذات إرث نضالي تاريخي، وأخرى تحسب إدارية مصنوعة من طرفها، بحيث شاركت جميعها على الرغم من تناقض مرجعياتها وإيديولوجياتها، في تجربة حكومية واحدة ببرنامج سياسي واحد.

وإذا حاولنا البحث عن الأسباب التي أدت إلى ظهور هذا الكم الهائل من الأحزاب السياسية، في بلد يقدر عدد سكانه بأقل من 40 مليون نسمة، وهو أمر غير مقبول على الرغم من كون بعض الباحثين في العلوم السياسية، يرونه ظاهرة صحية، باعتبارها تسمح بالتعدد وتحول دون التحكم في الوضع السياسي، لأن هذا الواقع المتشرذم يفرز أحوالا انتخابية مبلقنة موزعة بين عدد من الأحزاب، ويفرض إقامة تحالفات بين مكونات حزبية غير متجانسة، وينتج هم ذلك وضع برامج حكومية وطنية وجهوية ومحلية، مبنية على توافقات تتصف في الغالب بعدم الدقة، لأنها تراعي عددا من الشروط والتوجهات التي تكون أحيانا متباعدة وغير قابلة للتنفيذ بشكل سلس.

فالأحزاب السياسية المغربية تكاثرت بشكل كبير، في ارتباطها بالمصالح الذاتية الضيقة لمؤسسيها، إما مع اقتراب توقيت الانتخابات، أو الصراع حول القيادات التي تؤدي إلى الانشقاقات وبروز أحزاب جديدة، وتبقى معظم الولادات الجديدة للأحزاب أو الانشقاقات التي عرفها المشهد الحزبي المغربي مرتبطة بشكل وثيق بتدخل الإدارة، وهو ما جعل غالبيتها إذا لم تكن كلها تهدف إلى خدمة مصالح قيادييها والمرتبطين بهم، وهو وضع جعل المغاربة يزهدون في الاقتراب من السياسة، بعد أن أوصلتها الميوعة إلى الهرولة نحو المسالك المؤدية إلى حصد المكاسب والفوز بالوصول إلى الأهداف الخاصة، وهو واقع أدى إلى فقدان المواطنين والمواطنات الثقة في العمل السياسي، وارتفاع مستوى العزوف عن المشاركة في العملية السياسية برمتها، وفي طليعتها التصويت في الانتخابات.
محمد العسري  (05-10-2015)    









             
        عن الموقع  
          للإتصال  
          للإعلان  
          خدمات إعلامية  
          سياسة الموقع  
          معرض الوسوم  
2016 © جميع الحقوق محفوظة - طنجة7

  news tanger maroc